محمد بن الطيب الباقلاني

184

إعجاز القرآن

ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض ، وتستولي به على الأمد ، وتصل به إلى المقصد ، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس ، وتتيقن تناهى بلاغته كما تتيقن الفجر ، وأقرب عليك الغامض ، وأسهل لك العسير . واعلم أن هذا علم شريف المحل ، عظيم المكان ، قليل الطلاب ، ضعيف الأصحاب ، ليست له عشيرة تحميه ، ولا أهل عصمة تفطن لما / فيه . وهو أدق من السحر ، وأهول من البحر ، وأعجب من الشعر . وكيف لا يكون كذلك : وأنت تحسب أن وضع " الصبح " في موضع " الفجر " يحسن في كل كلام إلا أن يكون شعرا أو سجعا ؟ وليس كذلك ، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع ، وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى ، بل تتمكن فيه ، وتضرب بجرانها ، وتراها في مظانها ، وتجدها فيه غير منازعة إلى أوطانها ، وتجد الأخرى - لو وضعت موضعها - في محل نفار ، ومرمى شراد ، ونابية عن استقرار ( 1 ) . ولا أكثر عليك المثال ، ولا أضرب لك فيه الأمثال ، وأرجع بك إلى ما وعدتك ( 2 ) من الدلالة ، وضمنت لك من تقريب المقالة . فإن كنت لا تعرف الفصل الذي بينا بين اللفظتين على اختلاف مواقع الكلام ، ومتصرفات مجاري النظام ، لم تستفد مما نقر به عليك شيئا ، وكان التقليد أولى بك ، والاتباع أوجب عليك . ولكل شئ سبب ، ولكل علم طريق ، ولا سبيل إلى الوصول إلى الشئ من غير طريقه ، ولا بلوغ غايته من غير سبيله . * * * / خذ الآن - هداك الله - في تفريغ ( 3 ) الفكر ، وتخلية البال ، وانظر فيما نعرض عليك ، ونهديه إليك ، متوكلا على الله ، ومعتصما به ، ومستعيذا به ، من الشيطان الرجيم ، حتى تقف على إعجاز القرآن العظيم .

--> ( 1 ) م : " وبانية على اسفرار " ( 2 ) ك : " وما وعدتك به " ( 3 ) م : " مع تفريغ "